«مفترشة أرض زنزانتها رغم الأصداف بأقدامها.. منشغلة بقراءة القرآن بعد تأدية صلاة الظهر.. تزين يدها الصغيرة مسبحتها البنية أنيسة



«مفترشة أرض زنزانتها رغم الأصداف بأقدامها.. منشغلة بقراءة القرآن بعد تأدية صلاة الظهر.. تزين يدها الصغيرة مسبحتها البنية أنيسة وحدتها في السجن.. يقاطعها أصوات الزغاريد التي هزّت أسوار سجن أم درمان دون اهتمام منها.. تتسارع دقات قلبها مع سماع خشخشة مفتاح الزنزانة رعبًا من دخول السجانة لاصطحابها لتنفيذ حكم الإعدام شنقًا الصادر بحقها من محكمة أم درمان، بعد إدانتها بتهمة قتل زوجها عمدًا.
تمر أمام عينيها كفيلم سينمائي ذكرى الحادث الأليم في ثوان قليلة بالنسبة للزمن لكنها دهرًا من الحزن داخل قلبها.. لتستفيق سريعًا على صوت سجانتها تبشرها فرحًا: «مبروك نورا.. المحكمة قبلت بتخفيف الحكم لـ5 سنوات مع دفع الدية».. تخر نورا على الأرض ساجدة إلى ربها من الفرحة مغرغرة عينها بالدموع حامدة وشاكرة إنصاف ربها، هكذا استقبلت الشابة السودانية نورا حسين «قاتلة زوجها المغتصب» خبر تخفيف الحكم عليها.
تسند ظهرها إلى حائط زنزانتها الرثّة للحظات وتتذكر تفاصيل ليلتها الأولى في قفص الزوجية «سجنها الأول»، وكأن دفئ حضن عمتها العجوز التي كانت تهنئها بقرار والدها في العدول عن تلك الزيجة مشتاقًا لعودتها إلى المنزل «لا يزال يحيطها»، وضيق أنفاسها حين اكتشفت حيلة والدها التي دبرها لتدخل مثل الفأر إلى المصيدة، ورعشة جسدها الهزيل بعد أول لمسة من «مغتصبها» إذعانا منه بموعد  ذبحها ومحاولتها الهرب بإغلاق الحجرة عليها لمدة 4 أيام متواصلة رفضًا لمعاشرته، ورنة جرس الباب لتفاجئ في الليلة الخامسة بشقيق زوجها ووالده يقيدوها في السرير من أجل إتمام الزيجة بمواقعتها قسرًا، وحتى اللحظات الأخيرة التي سبقت دفاعها عن نفسها بالتقاط السكين وطعن زوجها انتقاما لشرفها وكرامتها حتى أردته قتيلا، لتحمل نفسها وتذهب «رافعة الرأس» إلى منزل والدها لتبلغه بنفسها بجريمتها وكأنها ترغب في الانتقام منه بدم بارد لتفريطه فيها.
تقول الناشطة ناهد جبر الله مدير مركز سيما لحقوق المرأة والطفل في السودان، إن نورا استقبلت خبر تخفيف الحكم بفرحة شديدة داخل زنزانتها، مشيرة إلى أن الفرحة لم تكن منها فقط إنما أن الزغاريد كانت ترج أسوار سجن أم درمان، فغالبية النزيلات فرحن بتخفيف العقوبة كونه انتصارا لحقوق المرأة السودانية، التي تعاني من قسوة القوانين والظلم الشديد لها.
وتضيف جبر الله، لـ"الوطن"، أن فريق الدفاع عن نورا سيستمر في درجات التقاضي أمام أهل الزوج المغتصب أملا في تحويل الحكم إلى البراءة لأنها جريمة دفاع عن النفس، مشيرة إلى أنهم لم يستلموا إلى الآن حيثيات تخفيف الحكم، لكن المحكمة أخطرت السجن بفك أصداف الأرجل من نورا التي توضع للمحكم عليهم بالإعدام، ونقلها إلى زنزانة أخرى.
وتابعت أن هناك قضية نورا شجعت العديد من ضحايا الاغتصاب الزوجي، للجوء إلى المساعدة القانونية والنفسية، مشيرة إلى أنها تعتقد أن تلك القضية ستمثل طفرة في قوانين المرأة في السودان، حيث أن المركز سيبدأ في إعداد مشروع قانون لتجريم زواج الأطفال  والاغتصاب الزوجي في السودان عقب الانتهاء من قضية نورا.
وكان والد نورا حسين، أوضح أنه هو من قام بتسليمها للشرطة بعد أن جاءته إلى المنزل، وقالت له انه قتلت زوجها، واستطرد موضحا: "تفاجأت بوجودها في المنزل بعد أيام من زواجها وقالت لي ’إنني قتلت زوجي بعد أن اغتصبني بمساعدة أفراد من أهله في الشقة‘ وأرتني السكين".
ومضى حسين يقول في تصريحات لـ"بي بي سي": "عندها شعرت بعظم الأمر وأن أهل القتيل لن يسكتوا وسيفعلون أي شيء من أجل الثأر فقررت أن آخذها وبقية أسرتي لقسم الشرطة من أجل ألا يقع علينا مكروه".
وقال إن توقعاته كانت في محلها بعد أن هاجم ذوي القتيل على بيتهم واحرقوا جزءا منه بالإضافة إلى المتجر، ورفضوا أي محاولات للتوسط من أجل حل القضية بشكل ودي.
وكشف والد نورا أنه زوَّج ابنته لقريبها بالرغم من رفضها الزواج "خوفا عليها من ان تلد ابنا غير شرعيا".
وأضاف يقول "لم يكن لدي خيار آخر... خاصة أن كثير من بنات المنطقة أنجبن أطفالا بطريقة غير شرعية وخفت عليها أن تحذو حذوهن".
واعتبر أنه ليس هنالك من سبب وجيه لابنته لرفض الزواج من زوجها، مشيرا إلى أنه خطبها لمدة ثلاث سنوات ولا بد من إكمال مراسم الزواج.
وقال : "لا أحد يريد الحياة البائسة لابنته وعندما قررت تزويجها كان بسبب إلحاح الزوج القتيل، ولم أكن أتوقع أن تصل الأمور هذه الدرجة".
وفي ذات السياق، نفى والد القتيل، رفض نورا للزواج مؤكدًا أنه تم عقد القران منذ 3  سنوات وكان بكل الرضا وسعادة بين الطرفين وكان العروسين على تواصل في ما بينهما مما يؤكد أن ليس هناك أية مفاجأة في الأمر وكانت نورا آنذاك تدرس في أولى ثانوي والعريس ابني كان يقوم بدفع مصاريفها كاملة من لبس واحتياجات الدراسة والأعياد حتى أكملت الثلاث مراحل الثانوية كانت على نفقة ابني بعد امتحانها للشهادة السودانية عاد العريس من رحلة سفر ذهبنا إلى أسرة نورا وحددنا موعد المناسبة مثل أي إجراء روتيني في تفاصيل الأعراس السودانية وتم الأمر بكل سلاسة دون أي عائق أو اعتراض من العروسة ذات نفسها وذهب أخوه للكوافير لأخذ العروسة إلى الحفلة من المسعودية ثم سألها بالحرف الواحد "جاهزة نمشي الحفلة إلى قرية الفراجين قالت ما عندي مشكلة قبل ما نمشي خليني أمشي آخد العفو من أمي ثم ذهبنا إلى منزلهم وأخذت العفو من والدتها” ثم جاءت معهم لإتمام مراسم الحفل في منزل العريس والحمد لله تمت الحفلة بكل فرحة في حوالي الساعة 12 منتصف النهار ثم بعدها ذهبنا إلى مكان إقامتهما في المهندسين بأم درمان ومن ضمن الملاحظات عندما كنا قادمين من الكوافير كانت نورا تضحك بصوت عالي مع وصيفتها (وزيرة) مما لا يدل البته إنها لم تكن راضية أو هنالك رفض من أي نوع.
وتابع لإحدى الصحف السودانية، أنه في اليوم الرابع زار عدد من أقرباء الزوج، نورا في منزلها وعلموا نشوب خلاف مع زوجها وأنها طلبت منه عدم الاقتراب منها وحاولا الصلح بينهما وأنها ارتضت الصلح، لكن في اليوم التالي علم بخبر مقتل نجله، مشيرًا إلى أن السكين التي قتل بها ابنه كانت من منزل والدا نورا وأنها اصطحبتها إلى منزل الزوجية.
 وتشير وقائع القضية إلى أن نورا البالغة من العمر 19 عامًا، قتلت زوجها لرفضها معاشرته وبعد أن أجبرها على المعاشرة خلال الأيام الأولى من زواجهما، وحسبما ذكرت "بي بي سي"، التي أجرت لقاءً مع الصحفية والناشطة في مجموعة "لا لقهر النساء" أمل هباني، حول كيفية تلقيهم لخبر إدانة نورا، قالت الناشطة إن المحكمة لم تأخذ بشهادة الطبيب النفسي الذي أكد أن الشابة لم تكن في وعيها بعد أن سقطت ضحية عنف شديد قاده زوجها ضدها برفقة أقاربه.
جدير بالذكر أن القانون السوداني لا يعتد بالاغتصاب الزوجي ولا يجرمه كشكل من أشكال العنف ضد المرأة، وتناهض مؤسسات حقوق المرأة عدد من القوانين كقانون النظام العام والأحوال الشخصية وبعض مواد القانون الجنائي لظلمها وتحقيرها للنساء وعدم مواءمتها لمواثيق حقوق الانسان الدولية.
وأثارت الجريمة التي حدثت مع بداية العام 2017 جدلًا وتضامنا واسعًا من المدافعات والمدافعين عن حقوق المرأة، بشأن قضية الاغتصاب الزوجي وضرورة تجريمها بالقانون.
Share To:

Post A Comment: